كثيراً ما نسمع النصيحة القديمة: “اسأل مجرّب ولا تسأل خبير”. في عالم تعلّم اللغات، تنطبق هذه المقولة تماماً على تجربة ملهمة قلّ نظيرها.
سأعرض لك اليوم تجربة واقعية، بطلتها امرأة لم تبدأ تعلم اللغة الإنجليزية في سن مبكرة، بل بدأت في الثلاثينات من عمرها. في وقت يظن فيه الكثيرون أن الفرصة قد فاتت. إنها الكاتبة والمترجمة كاتو لومب، التي واصلت رحلتها التعليمية بإصرار، حتى أصبحت إحدى أشهر متعددي اللغات في القرن العشرين، حيث أتقنت 17 لغة، ووصفها عالم اللغة الشهير ستيفن كراشن بأنها “أنجح متعلمة لغات في العالم أجمع”.
في كتابها الشهير “كيف تعلمت اللغات“، لم تكتب كاتو نظريات جافة ولا دروساً نظرية، بل سردت تجربتها الشخصية الحقيقية، والتي قسمت فيها رحلة تعلم اللغات إلى ثلاث مراحل رئيسية. ومن خلالها، قدمت دروساً ثمينة لكل من يرغب في تعلم لغة جديدة، مهما كان عمره، ومهما كانت خلفيته التعليمية.
فلنقرأ معاً هذه التجربة الواقعية، لنكتشف كيف يمكن للقراءة، والمثابرة، والشغف أن تفتح لك أبواب 17 لغة!
Table of Contents
Toggleالمرحلة الاولى: تذوق الكلمة
في بداية رحلتها مع تعلم اللغات، شددت الكاتبة على أهمية ما أسمته بـ “تذوّق الكلمة”. وهي المرحلة الأولى التي يبدأ فيها المتعلم بالتعرف على اللغة من خلال كلماتها الأساسية ومعانيها وسياقاتها. تنصح هنا باقتناء قاموس ثنائي اللغة (مثل عربي/إنجليزي)، ويفضل أن يكون شاملاً وموثوقاً مثل قاموس أكسفورد.
تبدأ الرحلة بالاطلاع على محتوى القاموس، وليس فقط للبحث عن معاني الكلمات، بل لاستخراج القواعد واستيعاب طريقة تركيب الجمل. تؤمن الكاتبة أن حفظ الكلمات في قوائم منفصلة بلا سياق ليس طريقة فعالة، لأن الكلمة بدون جملة تشبه قطعة مفككة من أحجية لا توصل لأي صورة واضحة.
توصي بدلاً من ذلك بقراءة الجمل التي ترد فيها الكلمة الجديدة، وفهم معناها من السياق. هذا يساعد المتعلم على ربط الكلمة باستخدامها الحقيقي، ما يعزز من فهمه للغة بطريقة طبيعية.
ومن خلال تكرار هذه التجربة، يستطيع المتعلم أن يستنتج القواعد بنفسه، ويلاحظ أقسام الكلام، وأنماط الكتابة، والأساليب المستخدمة، دون الحاجة للغوص في كتب القواعد الجافة.
ويُذكر أن هذا النهج ينسجم تماماً مع ما يدعو إليه عالم اللغويات الشهير ستيفن كراشن، الذي يرى أن القراءة الحرة التطوعية هي الوسيلة الأسهل والأكثر فاعلية لتعلم اللغة الإنجليزية.
٢-المرحلة الثانية: مرحلة الممارسة والتمرين على الترجمة
بعد مرحلة تذوق الكلمات وفهم القواعد من خلال السياق، تنتقل الكاتبة إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة الممارسة والتطبيق العملي. وفي هذه الخطوة، تبدأ باستخدام كتاب تعليمي مخصص للمبتدئين، يحتوي على شروحات بسيطة، وأمثلة واضحة، وتمارين مصحوبة بإجاباتها في نهاية الكتاب.
تبدأ رحلتها هنا من الدرس الأول، فتحاول فهم الشرح واستيعاب التراكيب والقواعد الأساسية الواردة فيه. بعد ذلك، تنتقل إلى التمارين وتقوم بحلّها بنفسها دون الرجوع إلى الإجابات، لقياس مدى فهمها للدرس.
ثم تأتي خطوة مراجعة الإجابات، حيث تطابق حلولها مع الإجابات الصحيحة في نهاية الكتاب. وعندما تكتشف وجود خطأ في أحد الحلول، تقوم بتدوين الإجابة الصحيحة فوق الإجابة الخاطئة مباشرة. وقد أكدت أن هذا الأسلوب البسيط والفعال ساعدها كثيرًا في التعرف على أخطائها وتجنب تكرارها لاحقاً.
هذه المرحلة تمثل نقطة تحول مهمة في رحلتها، لأنها تبدأ من خلالها في تكوين الحس اللغوي العملي، وليس فقط النظري. وهنا يتعلم المتعلم كيف يطبق معرفته، ويتأكد من مدى قدرته على استخدام اللغة بشكل سليم في التمارين الحقيقية.
٣-المرحلة الثالثة: مرحلة قراءة الاعمال الادبية
بعد أن أسست قاعدة لغوية قوية من خلال التذوق والممارسة، تصل الكاتبة إلى المرحلة الثالثة من رحلتها، وهي مرحلة القراءة الأدبية، والتي تعد من أهم المراحل في تطوير المهارات اللغوية، خاصة على مستوى المفردات والتراكيب والأسلوب.
في هذه المرحلة، تبدأ الكاتبة بقراءة أعمال أدبية تنتمي إلى الأدب الإنجليزي، مثل القصص والروايات، لما تحتويه من تعابير لغوية غنية وأساليب متنوعة توسّع من قدراتها على الفهم والاستيعاب.
لكنها لا تختار روايات صعبة منذ البداية، بل تبدأ بـ روايات كلاسيكية مبسطة، تمت إعادة كتابتها بلغة مناسبة للمبتدئين، مثل الروايات الموجودة في سلسلة “Penguin Readers” أو “Oxford Bookworms”، وهي موجهة خصيصاً للمتعلمين الجدد.
وتقسم الكاتبة عملية قراءة الرواية إلى ثلاث مراحل:
- مرحلة القراءة الحرة
تحاول في البداية قراءة النصوص قدر استطاعتها دون توقف طويل. ورغم أنها تجد صعوبة في فهم بعض الجمل، إلا أنها لا تدع ذلك يثنيها عن مواصلة القراءة، لأن الهدف هنا هو التعرّف على اللغة في سياقها الطبيعي. - مرحلة الترجمة الجزئية
عندما تصادف كلمات صعبة، تحاول أولاً فهم معناها من السياق العام. وإذا لم تنجح في ذلك، تلجأ إلى استخدام القاموس لترجمتها. ثم تقوم بكتابة هذه الكلمات الجديدة، مع الجمل التي وردت فيها، في دفتر خارجي خاص بالمفردات. - مرحلة الاستمتاع والمواصلة
بعد فترة من التمرين والتعوّد، تبدأ الكاتبة بالاستمتاع الفعلي بالقراءة، وتصبح الروايات وسيلة ترفيه وتعليم في آنٍ واحد. في هذه المرحلة، لا تتعلم اللغة فحسب، بل تعيشها من خلال الشخصيات والقصص والمواقف.
هذه الخطوة تمثل الذروة في رحلتها مع تعلم اللغة، لأنها تعكس الانتقال من التعلم الواعي إلى الاكتساب الطبيعي، وهو ما يدعو إليه العديد من علماء اللغة مثل ستيفن كراشن، الذي يرى أن القراءة الحرة والممتعة هي أقوى أداة لاكتساب اللغة الثانية.
التواصل اللفظي: من الفهم إلى النطق
بالرغم من أن الخطوات السابقة ساعدت الكاتبة كثيراً في تعزيز مفرداتها وفهم اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة، إلا أنها لم تكن كافية لتأهيلها للتحدث بطلاقة. فقد لاحظت أن القدرة على التحدث بلغة أجنبية تحتاج إلى تمرينات إضافية تركز على مهارات الاستماع والنطق.
ولتحسين هذا الجانب، بدأت الكاتبة بتخصيص وقت يومي للاستماع إلى نشرات الأخبار باللغة الإنجليزية عبر الراديو، محاولةً استيعاب ما يُقال بأقصى ما تستطيع. بعد الاستماع، كانت تعود إلى ما لم تفهمه، وتترجمه بمساعدة القاموس، ثم تسجل الكلمات الجديدة ضمن جملها الأصلية في دفترها الخاص الذي استخدمته منذ المرحلة الأولى.
وبمرور الوقت، أصبحت تسجّل نشرات الأخبار وتُعيد الاستماع إليها عدة مرات حتى تترسخ الأصوات والمفردات والنطق الصحيح في ذاكرتها.
ولم تكتفِ بالاستماع الذاتي فقط، بل عززت تعلمها من خلال التفاعل المباشر مع الناطقين الأصليين للغة. كانت تدرس على يد معلّم إنجليزي خاص، وتطلب منه أن يتحدث ببطء شديد لتتمكن من فهم الكلمات والتراكيب من خلال السياق، دون الحاجة إلى ترجمتها حرفياً. كما كانت تُسلّمه كتاباتها ليقوم بمراجعتها وتصحيح الأخطاء اللغوية فيها، ما ساعدها على تطوير قدراتها التعبيرية بثقة أكبر.
ومن الأساليب التي استخدمتها أيضاً، التواصل مع الطلبة الإنجليز المبتعثين في بلدها. كانت تجري معهم محادثات، وتطلب منهم الحديث ببطء، وكان هدفها الأساسي فهم النطق الحقيقي للكلمات وكيف تُستخدم في الحوار الواقعي.
ومن خلال هذه التجربة، يتبين لنا أن الاستماع والفهم وحدهما لا يكفيان لتطوير مهارات الحديث، بل يجب أن يترافق ذلك مع تصحيح مستمر للأخطاء من طرف ناطق أصلي أو متقن للغة. ولهذا ترى الكاتبة أن حصص المحادثة العشوائية مع مدرس أجنبي قد لا تكون مجدية للمبتدئين، ما لم تتوفر فيها عناصر التوضيح، والتصحيح، والمراعاة لمستوى الطالب.
الكتابة قبل التحدث: سرٌ مهم في اكتساب اللغة

كما ذكرنا سابقاً، كانت الكاتبة تحرص على تدوين الجمل والقواعد اللغوية الجديدة التي تتعلمها في دفتر خاص، ثم تقوم بعرضها على معلمتها لمراجعتها وتصحيحها. ومن خلال هذه التجربة، خلُصت إلى قناعة مهمة، وهي أن الكتابة أكثر فاعلية من التحدث في مراحل تعلم اللغة.
فهي ترى أن أخطاء المتعلم أثناء الحديث غالباً لا تُكتشف بسهولة؛ إذ إن المستمع – سواء من باب المجاملة أو نتيجة اعتياده على سماع الأخطاء – لا يُبادر عادةً إلى تصحيحها. وبالتالي، يستمر المتعلم في تكرار نفس الأخطاء دون أن ينتبه لها.
أما في الكتابة، فالأمر مختلف تماماً. فالمتعلم يملك الوقت الكافي للتفكير والمراجعة والتصحيح، كما يمكنه العودة إلى المصادر والقواميس ومقارنة التراكيب اللغوية. وهذا ما يجعل الكتابة أداة فعالة لاكتشاف الأخطاء وتثبيت المفردات والقواعد.
وقد أكدت الكاتبة هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية لها، حيث كانت في رحلة مع مجموعة من المترجمين البريطانيين، وطلبت منهم صراحة أن يصححوا أخطاءها اللغوية إن وُجدت. لكن بعد مرور ثلاثة أسابيع، لم يُنبّهها أحد إلى أي خطأ. وعندما سألتهم عن السبب، أخبروها بأنهم اعتادوا تصحيح كلامها بشكل تلقائي داخل أذهانهم دون الحاجة لإعلامها بالأخطاء، لأنهم كانوا يفهمون المقصود منها.
ومن جهة أخرى، تُشير الكاتبة إلى أن مهارة التحدث تتطلب قدراً كبيراً من الممارسة والتجربة، وهو ما قد يُعرض المتعلم للوقوع في أخطاء متكررة. ومع تكرار هذه الأخطاء، قد يشعر المتعلم بالإحباط أو الحرج أو بعدم الارتياح أثناء التواصل مع الآخرين.
أما في الكتابة، فإن المتعلم يمارس اللغة في بيئة أكثر هدوءاً ومرونة، دون ضغط، ودون خوف من الوقوع في الخطأ أمام الآخرين. ولهذا فإن الكاتبة تُشجّع المبتدئين على التركيز على الكتابة أولاً، فهي أداة قوية لترسيخ اللغة وبناء الثقة قبل الانتقال إلى ممارسة الحديث.
خلاصة خطوات تعلم اللغة الإنجليزية لدى المترجمة كاتو لومب
بعد استعراض تجربة المترجمة الشهيرة، يمكننا تلخيص طريقتها العملية في تعلم اللغة الإنجليزية ضمن الخطوات التالية:
- اقتناء قاموس ثنائي اللغة (عربي/إنجليزي): بدايةً، اشترِ قاموساً موثوقاً مثل قاموس أكسفورد ثنائي اللغة.
- الاطلاع على الكلمات والجمل: اقرأ بعض المفردات والجمل الواردة في القاموس، وحاول فهم معانيها ودلالاتها من خلال السياق.
- شراء كتاب تمارين لغوية: اختر كتاباً للمستوى المبتدئ يتضمن أسئلة مع إجاباتها في نهاية الكتاب، وابدأ بحل التمارين، ثم راجع الحلول وصحح أخطاءك.
- قراءة الأعمال الأدبية المبسطة: انتقل إلى قراءة القصص والروايات الإنجليزية المبسطة، وركز على فهم المعاني من السياق قبل اللجوء إلى الترجمة.
- تجنب الترجمة الحرفية: لا تترجم كل كلمة، بل ركز على الكلمات المفتاحية أو التي يصعب استيعابها.
- التدوين في دفتر خاص: دوّن الكلمات الجديدة ضمن جمل كاملة في دفتر مخصص، فهذا يسهم في تثبيت المفردات في الذاكرة بشكل أفضل.
- تحسين مهارة الاستماع والتحدث: تواصل مع معلم لغة إنجليزية أو ناطق أصلي، واطلب منه التحدث ببطء لتسهيل الفهم، والاستفادة من التصحيح المباشر.
- الاستماع المتكرر للمحتوى الصوتي: اختر مواد إذاعية أو نشرات أخبار، وكرر الاستماع لها خلال الأسبوع، مع ترجمة المفردات الصعبة وكتابتها في الدفتر.
وبالحديث عن التجربة الشخصية، فأغلب الطرق التي اتبعتها المترجمة تبدو ممتعة وعملية، وقد طبّقتُ كثيراً منها ووجدت فيها فائدة حقيقية. إلا أنني أجد أن الدراسة من القاموس مباشرة طريقة مملّة وصعبة ومتعبة، رغم يقيني التام بفعاليتها، وقدرتها على تسريع اكتساب اللغة لمن يثابر عليها.
القراءة: الأساس الذي لا غنى عنه
كما لاحظت عزيزي القارئ، فإن الكاتبة اعتمدت بشكل رئيسي على القراءة في تعلم اللغة، وجعلتها حجر الأساس في رحلتها التعليمية. وهذا ما يتوافق تماماً مع ما يؤكده الدكتور ستيفن كراشن، الذي يرى أن القراءة الحرة التطوعية هي الوسيلة الأكثر فعالية لاكتساب اللغة.
لذا، إن كنت تتساءل عن أفضل طريقة لتعلم اللغة الإنجليزية، فاعلم أن الجواب الأقوى والأبسط هو: القراءة… ثم القراءة… ثم القراءة.
المراجع
المقال مترجم بتصرف من كتاب:Polyglot: How I Learn Languages





