رغم وجود أدلة واضحة تُثبت أن القراءة من أجل المتعة تُسهم بشكل كبير في تطوير مهارات اللغة الثانية، إلا أن كثيرًا من الأشخاص لا يُبدون رغبة في إتقان هذه المهارة (إلين، 1991؛ إيلي ومانجوباي، 1983؛ كراشين، 1993؛ ناجي، هيرمان، وأندرسون، 1985).
ويرجع ذلك في أغلب الأحيان إلى اعتقادهم السائد بأن دراسة القواعد النحوية فقط هي الطريقة الصحيحة لتعلم اللغة. كما أن بعضهم قد التحق بمدارس تعتمد في تدريس القراءة على أساليب معقدة، مما جعلهم يعتقدون أن إتقانها يتطلب جهدًا مضنيًا وعملًا شاقًا (كراشن، 1985).
أما السبب الثالث، والذي سنركز عليه في هذه المقالة، فهو صعوبة توفير نصوص إنجليزية مناسبة للبالغين. وبحسب فرضية “المدخلات“، فإن النصوص المناسبة يجب أن تكون ممتعة وفي ذات الوقت مفهومة للمتعلمين.
وللأسف، فإن غالبية النصوص المتوفرة في مدارس تعليم اللغة الإنجليزية تكون مفهومة، لكنها تفتقر إلى المتعة والإثارة. في حين أن الكتب المصممة للناطقين الأصليين باللغة الإنجليزية عادةً ما تكون ممتعة ولكنها صعبة جدًا على مستوى اللغة.
ولتأكيد هذه الفرضية، أجرى العالمان كراشن و تشُو دراسة على مجموعة من النساء المهاجرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تمكنَّ من إتقان اللغة الإنجليزية من خلال قراءة الروايات.
Table of Contents
Toggleدراسة حالة
(تمت الدراسة مع أربع مشاركات، ولكنني سأركز هنا على مشاركتين فقط)
المشاركة الأولى:
اسمها مياي، وتبلغ من العمر 30 عامًا، وقد مضى على وصولها إلى الولايات المتحدة الأمريكية خمس سنوات.
درست مياي اللغة الإنجليزية خلال مرحلتي التعليم المتوسط والثانوي في مدارس حكومية في كوريا، حيث كان التركيز الأساسي في تلك الحصص على تعلم القواعد وحفظ العبارات، مما حال دون اكتسابها للغة بشكل فعّال.
وعلى الرغم من إقامتها في أمريكا، فإنها لا تتحدث بالإنجليزية مع الآخرين إلا في أوقات قليلة.
كما أن مياي قارئة نهمة في لغتها الأم، لكنها لم تقرأ أي كتاب أو مادة باللغة الإنجليزية خلال السنوات الخمس الماضية.
المشاركة الثانية:
اسمها جينهي، وتبلغ من العمر 35 عامًا، وتعيش في أمريكا منذ خمس سنوات.
درست الإنجليزية لمدة ست سنوات في بلدها الأصلي، وعملت كمعلمة لغة إنجليزية للمرحلة الثانوية، كما حصلت على درجة الماجستير من الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع ذلك، لا تشعر بالثقة عند الحديث بالإنجليزية مع الآخرين، ولم تكن تقرأ الكتب الإنجليزية من أجل المتعة.
برنامج القراءة الحرة
نظرًا لأن العالم ستيفن كراشن من مؤيدي القراءة الحرة التطوعية، فقد طلب من النساء المشاركة في “برنامج القراءة الحرة” لعدة أشهر. حيث كان المطلوب منهن قراءة سلسلة روايات إنجليزية تُدعى The Sweet Valley، وهي مناسبة لطالبات المرحلة الثانوية.
استند العالمان في اختيار هذه الروايات إلى تجربة سابقة مع فتيات بالغات أخريات يتعلمن اللغة الإنجليزية، واعتقدا أن المشاركات قد يستمتعن بقراءتها أيضًا.
ونظرًا لصعوبة مستوى الرواية بالنسبة لإحدى المشاركات، تم استبدالها بنسخ مكتوبة بلغة أبسط موجهة للصف الرابع، وهي سلسلة Sweet Valley Twins.
ولم يقم العالمان بشرح معاني الكلمات الجديدة، ولم يخبرا المشاركات بوجود اختبار بعد الانتهاء من القراءة، بل كان التشجيع موجهاً فقط للقراءة من أجل المتعة.
ولتسهيل الأمر على المشاركات، زود أحد الباحثين المجموعة بمعلومات أساسية عن الرواية، مثل الخلفية الثقافية، والشخصيات الرئيسية وأدوارهم في القصة.
ومن حين إلى آخر، كانت الباحثة تشو تناقش الرواية مع المشاركات باللغة الكورية لتقريب المفاهيم وتسهيل الفهم.
قياس المفردات المكتسبة
لقياس كمية المفردات الجديدة التي اكتسبتها المشاركات، طلب الباحثان منهن وضع خط تحت الكلمات الجديدة أثناء القراءة، مع السماح لهن باستخدام القاموس متى شاءن.
وقد بدأت مياي بوضع خطوط تحت الكلمات الجديدة في أول كتابين، ثم تطور الأمر إلى تسجيل هذه الكلمات في دفتر خاص بها.
وكان هذا الأسلوب موصى به من قبل الباحثة كاتو، التي تتقن أكثر من عشر لغات، حيث أشارت إلى أهمية وجود دفتر يحتوي على الجمل التي تضم المفردات الجديدة لتعزيز الحفظ والفهم.
النتائج
بعد انتهاء فترة التجربة، لاحظ العالمان تحوّلًا ملحوظًا في سلوك المشاركات، حيث أصبح جميعهن قارئات متحمسات ومبادرات في القراءة.
فقد قرأت مياي ثمانية كتب خلال شهر واحد فقط، في حين تمكنت جينهي من قراءة ثلاثة وعشرين كتابًا في أقل من شهر.
| الاسم | عدد الكتب | عدد الكلمات | عدد الكتب خلال اسبوع | استخدام القاموس |
| مياي | ٨ | ٥٦،٠٠٠ | ٢ | نعم |
| جيهين | ٢٣ | ١٦١،٠٠٠ | ٥،٧٥ | أول ٤ كتب |
وقد أوضحت جميع المشاركات أن السبب الرئيس لاستمرارهن في القراءة هو متعة الروايات نفسها، التي كانت بعيدة كل البعد عن الملل والرتابة، مما جعل تجربة القراءة سهلة وممتعة في آن واحد.
فقالت مياي:
“من بين جميع الكتب التي قرأتها، فإن روايات Sweet Valley هي الكتب الإنجليزية الوحيدة التي استمريت في قراءتها، وذلك لأنها ممتعة وسهلة الفهم، كما أن الأحداث مشوقة والشخصيات قريبة من الواقع، مما حفزني على الاستمرار.”
أما المشاركة جينهي، التي لم تكن راغبة في البداية بالمشاركة ولم تتحمس لقراءة هذا النوع من الكتب، فقد أوضحت أن هذه الروايات كانت أفضل بكثير من المواد التي حاولت قراءتها سابقًا، والتي كانت غالبًا معقدة وجافة. وعبرت عن ذلك قائلة:
“قرأت الروايات باهتمام وبدون أن أشعر بالصداع الذي كان يلازمني عندما كنت أقرأ مجلة تايم في كوريا. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو استمتاعي بقراءة الأوصاف النفسية لكل شخصية، مما أضاف عمقًا لتجربتي القرائية. لقد انبهرت بالمجلد الثاني من الرواية، وواصلت قراءته دون توقف، حتى شعرت بأنني جزء من القصة.”
اكتساب المفردات

ولمعرفة عدد المفردات التي تم اكتسابها، قام الباحثان بكتابة الكلمات التي سبق وأن وضعن المشاركات تحتها خط. ثم طلبوا منهن ترجمتها إلى اللغة الكورية.
| الاسم | عدد الكلمات | عدد الاجابات الصحيحة | عدد الكتب | عدد الكلمات في كل كتاب |
| مياي | ٥٣٥ | ٢٩٩ | ٨ | ٣٧.٤ |
| جيهين | ٢٧٥ | ١٨٩ | ٢٣ | ٨.٢ |
في عام 1985، قام العلماء ناجي، هيرمان، وأندرسون بحساب عدد الكلمات التي يكتسبها المتحدث الأصلي للغة الإنجليزية من خلال قراءة مليون كلمة سنويًا، فوجدوا أن هذا العدد يصل إلى نحو ثلاثة آلاف كلمة جديدة.
وعند مقارنة هذا الرقم بأداء المشاركات في الدراسة الحالية، نجد أن المشاركة مياي قد تكتسب ما يقارب خمسة آلاف كلمة إذا قرأت مليون كلمة، مما يعني تفوقها على المتحدث الأصلي للغة الإنجليزية في اكتساب المفردات من خلال القراءة.
ويعزى هذا التفوق جزئيًا إلى أن مياي كانت تستخدم القاموس بشكل مكثف خلال قراءتها، مما ساعدها على فهم معاني الكلمات الجديدة بدقة وتثبيتها في ذاكرتها. على سبيل المثال، كانت تقوم بتدوين الكلمات الجديدة في دفتر خاص، وترجع إليه بانتظام لمراجعتها، وهو أسلوب فعال لتعزيز حفظ المفردات.
التحدث باللغة الإنجليزية
رغم أن الدراسة أُجريت بهدف معرفة عدد المفردات التي تُكتسب من خلال قراءة الروايات، إلا أنها أثبتت أيضًا أن مهارتي التحدث والفهم باللغة الإنجليزية قد تطورتا بشكل ملحوظ لدى المشاركات.
فقد قالت مياي:
“ساعدتني القراءة على فهم البرامج التلفزيونية بشكل أفضل. أثناء مشاهدتي للتلفاز، صادفت العديد من الكلمات والعبارات التي كنت قد قرأتها في الروايات، مما سهل عليّ متابعة الحوار وفهمه.”
أما بالنسبة لمهارة التحدث، فأوضحت مياي:
“كنت أخشى التحدث مع الأميركيين، لكن بالأمس ذهبت إلى ديزني لاند، واستمتعت بالتحدث مع بعض الأطفال الأميركيين وآبائهم الذين جاءوا من أريزونا.”
حتى جينهي، التي كانت تعمل معلمة للغة الإنجليزية سابقًا، لاحظت تحسنًا ملحوظًا في مهاراتها اللغوية بعد قراءة ثلاثين مجلدًا من الروايات. وأكدت أنها أصبحت الآن قادرة على إجراء المحادثات اليومية بسهولة ويسر، بعدما كانت تجد صعوبة في ذلك في السابق.
ومن المهم أن تدرك عزيزي القارئ أن هذه الروايات ساعدت المشاركات على تطوير مهارة التحدث لأنها تحتوي على قدر كبير من اللغة غير الرسمية، وهي لغة الحياة اليومية التي يصعب العثور عليها في الكتب المدرسية التقليدية.
توصيات الدراسة
- إن اختيار النص المناسب يلعب دورًا حاسمًا في اكتساب عدد جيد من المفردات، حيث يسهّل الفهم والاستمرار في القراءة.
- بالرغم من أن المشاركة جينهي لم تستخدم القاموس بشكل مكثف، إلا أنها تمكنت من اكتساب مفردات جديدة من خلال القراءة وحدها، مما يؤكد أن متعلمي اللغة يمكنهم توسيع مفرداتهم عبر القراءة المستمرة حتى دون الاعتماد الكبير على القواميس.
- تؤكد هذه الدراسة المختصرة على أهمية القراءة المتخصصة، أي قراءة نصوص تنتمي إلى نوع أدبي واحد أو مؤلف واحد فقط، وذلك بهدف تعزيز مهارات القراءة والكتابة بشكل متسلسل ومدروس (كراشن 1985).
- القراءة المتخصصة تتيح توسعًا تدريجيًا في معرفة اللغة، ومن المتوقع أن تبدأ المشاركة مياي في استكشاف مجالات أدبية أخرى مع مرور الوقت، مما يعزز من قدراتها اللغوية بشكل أوسع.
- ليس من الضروري أن يستمتع جميع المتعلمين بنفس النوع من الأدب، لذا يُنصح باختيار سلسلة كتب لمؤلف واحد، حيث تساعد هذه الطريقة القارئ على التدرج في مستوى الصعوبة، بالإضافة إلى تعود القارئ على أسلوب الكاتب مما يسهل الفهم ويزيد من المتعة.
تُبرهن هذه الدراسة على أن القراءة الحرة والممتعة تُعد من أفضل الطرق لاكتساب كلمات اللغة الإنجليزية وتطوير مهارات الفهم والتحدث بشكل طبيعي وفعّال. فاختيار النصوص المناسبة التي تجمع بين المتعة والتحدي يساهم بشكل كبير في تعزيز الدافعية للاستمرار وتحقيق تقدم ملموس في اللغة.
كما يظهر من نتائج الدراسة أن القراءة المتخصصة في نوع أدبي واحد أو سلسلة كتب معينة تساعد المتعلم على التعود على أساليب لغوية متكررة مما يسهل عليه استيعاب المفردات والقواعد. ولا شك أن الصبر والمثابرة في القراءة، مع استخدام أدوات مساعدة مثل القواميس وتدوين الكلمات الجديدة، تزيد من فرص النجاح في اكتساب اللغة.
ختامًا، يمكن القول إن القراءة ليست فقط وسيلة لتعلم اللغة، بل هي تجربة ممتعة تغني العقل وتفتح أبوابًا واسعة لفهم ثقافات أخرى والتواصل بثقة مع العالم.
المراجع:
تمت ترجمة الدراسة لأول مرة بواسطة خيمة القراءة Acquisition of vocabulary from the Sweet Valley Kids series: Adult ESL acquisition





